وهبة الزحيلي
266
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وهكذا ينزل اللّه المطر من طبقات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال ، كما ينزل الثلج والبرد بحسب نسبة تأثير البرودة في الأبخرة المتصاعدة . وكل ما علا الإنسان فهو سماء ، فالسماء هي الغيم المرتفع على رؤوس الناس . وتكون الجبال كناية عن السحاب المشاهد الآن لكل راكب في الطائرة التي ترتفع عادة أكثر من ثلاثين ألف قدم في الجو فوق السحب البيضاء المتجمعة كالجبال الشاهقة « 1 » ويرى مفسرون آخرون أن جبال البرد قائمة فعلا في السماء ، وينزل اللّه منها البرد ، وهذا المعنى تؤيده بعض النظريات الحديثة التي تثبت أن في طبقات الجو ما يشبه الجبال مكونة من برد ، وقد تنزل زيادة على ما يصعد من بخار البحار . وتتحكم إرادة اللّه وقدرته وتصريفه في كيفية إنزال المطر ، فيصيب بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد من يشاء من عباده رحمة لهم ، ويحجبه عمن يشاء ، ويؤخر الغيث عمن يريد ، إما نقمة وإما رحمة من إسقاط الثمار والأزهار وإتلاف الزروع والأشجار . وأعجب من ذلك كله خلق الضد من الضد وهو النار من البارد ، حتى ليكاد أو يقرب ضوء برق اصطدام الغيوم من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته . النوع الثالث - اختلاف الليل والنهار : يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ أي إن اللّه عزّ وجلّ يتصرف في الليل والنهار بزيادة أحدهما ونقص الآخر ، وتغير أحوالهما
--> ( 1 ) قال بعض النحاة في قوله تعالى : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ مِنْ الأولى لابتداء الغاية ، والثانية للتبعيض ، والثالثة لبيان الجنس ، كما قدمنا في الإعراب ، وهذا إنما يجيء على قول بعض المفسرين إلى أن في السماء جبال برد ينزل اللّه منها البرد . وأما من جعل الجبال هاهنا كناية عن السحاب ، فإن مِنْ الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضا ، لكنها بدل من الأولى ، واللّه أعلم ( تفسير ابن كثير : 3 / 297 ) .